الشيخ محمد رشيد رضا

219

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ابن مالك بسند رجاله ثقات وعبر في كل منهما عن الفرقة الناجية بالجماعة ورواه ابن عبد البر من حديث عوف بن مالك الأشجعي بلفظ « تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون به ما أحل اللّه ويحلون ما حرم اللّه » وقفى عليه الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم بما روي من علماء الصحابة كالخلفاء الأربعة والعبادلة وغيرهم في ذم الرأي ، وقد حققنا مسألة الرأي والقياس في تفسير النهي عن السؤال من أواخر سورة المائدة « * » وقد جعل الشاطبى الوجه الخامس مما ورد في النقل من ذم البدع ما جاء في ذم الرأي غير المستند إلى كتاب ولا سنة إذ البدع كلها كذلك كما وعد في الكلام على الآية التي نحن بصدد تفسيرها ونقلناه عنه آنفا ، فذكر حديث عوف بن مالك وعدة آثار بمعناه ورجح شمول ذلك لما كان في الأصول والفروع جميعا كما نقله عن القاضي إسماعيل في تفسير الآية ونقل بعض ما أورده ابن عبد البر من آثار السلف في ذلك الا انحاء أهل الحديث على أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى . ومن أحسن كلام العلماء في ذلك قول الإمام مالك : قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد تم هذا الامر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا نتبع الرأي فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته فأنت كلما جاءك رجل غلبك اتبعته ، أرى هذا لا يتم اه وانما يعني بهذا الرأي في الأمور الدينية من العقائد والعبادات والحلال والحرام دون الدنيا ومصالحها المدنية والسياسية والقضاء فان من أصول مذهبه مراعاة المصالح في هذا كما بينه الشاطبى في هذا الكتاب ( الاعتصام ) أحسن بيان « 1 » وقد قال ههنا إن الآثار المتقدمة ليست عند مالك مخصوصة بالرأي في الاعتقاد « 2 » ( أقول ) وهذا مذهبنا الذي بيناه مرارا وقد حقق الشاطبى في الباب التاسع من الاعتصام ( ج 3 ) أن المجتهدين في المسائل الاجتهادية لا يدخلون تحت آية ( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) والمسائل الاجتهادية هي التي لا نص فيها ولا اجتماع ولكن الذين يتعصبون لهم فيكونون شيعا وأحزابا يتفرقون ويتعادون في ذلك فهم من المختلفين وليس لهم عذر كعذر المجتهدين الذين قالوا وعملوا بما ظهر

--> ( * ) تراجع الآيتان 5 : 104 و 105 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ج 7 تفسير ( 1 ) راجع صفحة 130 من الجزء الأول من الاعتصام ( 2 ) راجع ص 311 من الجزء الثاني وبحث المصالح المرسلة من الجزء الثالث من الاعتصام